سحر مدينتي بين التأمل والشجون (2)
عدنان سليم
عاد ابوخالد من حيث مااتى ، وهو يحمل انطباعا جميلا عن مدينة الزيتون ،وهذا هو المُبتغى ، فقد احبها من أول نظرة ، والحب بهذه الطريقة احيانا غشاوة على العيون ، يتغاضى المحب عن العيوب ،و يُبعده عن التفاصيل ، وتعلمون ماذا ومن يكمن في التفاصيل .
وهكذا الحال بالنسبة لي ، فلا شيئ يطفأ جذوة الحنين ، ومهما اختلفت الملامح او تغير البشر ، تبقى العيون متجهة نحو هذه الارض الطيبة .. عاتبنا مرة صديق فقال : كيف تستطيعوا ان تبتعدوا عن بعشيقة وتنقطعوا فترات طويلة عنها ، وانا عندما اذهب الى الموصل احن ّ للرجوع اليها .
والواقع فأن هناك علاقة صميمية بين المكان والوجود ، يتمثل في نزوع الذات البشرية للتماهي مع المكان . وبالرغم من ان هذا النزوع يرافق كل مراحل الحياة ، الا ان احد المقربين اليّ يرى ان سن الخمسين هو بداية لاتقاد جديد في نشاط الذاكرة ، حيث يُظهر هذا التماهي نشاطا متميزا مصدره المنبع .
وقد يدفع ضيق العيش او اي ظرف اخر قاهر ، لان ينتقل المرء الى مكان اخر بحثا عن ظروف افضل ، ولكن مايلبث ان يؤرقه موطنه الاصلي ، وكما جاء عن ابي تمّام حين قال :
نَقِل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب الا للحبيب الاول
كم منزل في الارض يألفه الفتى وحنينه أبدا لأول منزل
فالموطن الاول هو الحياة بفهومها الاوسع بالنسبة للانسان ، حيث تتشكل في وجدانه اهم القيم والسلوكيات ، فيصبح الارتباط بالمكان ارتباطا روحيا ، وحبه يجري في العروق مدى الحياة ..
والحديث عن الحبيب الاول او المنزل الاول حديث ذو متعة وشجون . فبينما ينغمس العالم ببناء مدنه النموذجية باستخدام احدث التقنيات ، معتمدا على التخطيط المنظم وفق نظرة ستراتيجية ، وعلى البنى التحتية المتينة ، من كهرباء وماء واتصالات ومواصلات ، تتحوّل التكنولوجية عندنا الى عبأ على المواطن . وهذا هو حال العصر ، وهذه هي حال التكنولوجية الحديثة ، فهي تسيرعلى سكة واحدة لارجعة فيها ، جارفة معها ايحابياتها وسلبياتها . وليس لدينا خيار في رفضها او تبنيها ، ولا مهلة للتفكير في اتخاذ القرار . فهي تفرض نفسها بقوة ، وتدفعنا لتغير كل ملامح حياتنا بأغراءاتها السحرية ، وعندما لانوفر شروط ادامتها واستمراريتها ، تأتي النتائج معاكسة . واذا ماعلمنا ان كل خطوة تكنولوجية الى الامام ، يقابلها خطوات تتراجع فيها الطبيعة وشروط العيش الطبيعي الى الوراء ، فاننا سنكتشف كم هي المجازفة التكنولوجية ، وكم هي عواقبها في بلداننا ، حيث يُترك الانسان في مواجهة غضب الطبيعة ، بعد ان تخلينا عن وسائل التكيف معها ، مُحتمين بتقنيات لاتعمل حتى بحدها الادنى . ويرى البعض أن العودة لوسائل التكيف مع الطبيعة بات امرا في حدود المستحيل ، فقد اصبح في نظرهم شيئ من الماضي ، ومن السذاجة ان نبحث فيه ، ولم يعد لدينا خيار سوى المزيد من التنكولوجية ومزيدا من المجازفة . ولكن هناك ايضا من لايحب الرضوخ حتى لبعض القواعد والمسَلَمات ، ويرى ان الحلول المثلى تكمن في العودة لاحضان الطبيعة ، اذا مااردنا للحياة أن تستمر . واصنف نفسي من بينهم .
لقد صُممتْ مدننا كما هو حال كل المدن القديمة ، بطريقة لم تأخذ بالحسبان الجنون التكنولوجي . صممت بطريقة متناغمة مع الطبيعة ، فأستثمر الانسان خيرها وتجنب شرها ، فمنحتنا الامان . ويمكن اعتبار تصميم بعشيقة القديمة نموذجا لمدن قديمة اخرى بنيت بنفس الطريقة ، حيث الازقة الضيقة لتقليل المساحة المعرضة للشمس ، والتخفيف من وطأة حرارتها . وبيوت ذات جدران عريضة مبنية من الجص والحجر ، تكتسب برودة الشتاء ببطئ ، لتوفرها للصيف ، وتمتص حرارة الصيف ، لتجعل البيت دافئا في الشتاء . وطابق منخفض عن مستوى الارض كسرداب ( رهرهة ) تحتفظ بالبرودة اكثر من غيرها للصيف . وتجمعات من البيوت لها مدخل واحد ، تعيش فيه عدة عوائل او عشيرة كاملة في الفة ومحبة وتضامن . وسطوح متلاصقة ، تُسهّل لقاء الاحبة من دون مواعيد ، وفي ليالي الصيف تنام العوائل فوقها قريبة من بعضها ، تحمي بعضها البعض ، تحيطهم سماء صافية مزركشة بمليارات النجوم ، تذكرك بعظمة الطبيعة كل يوم . وقبل ان تنام ، تطمئن لتابوت نوح وقريباته الثلاثة يبكينه (سبعة نجوم ) ، وتتعاطف مع مجنون وليلى ( نجمتان ) وهما يقتربان ببطئ عن بعضهما ، وتودع يومك باللاستمتاع بسحردرب التبانة .
عندما زرت بيت الكدادي ( وهوتجمع لبيوت كانت تسكنها عوائل من عشيرة الكدادي ، ولم يعد كداديا اليوم ) ، التقيت بعوائل واشخاص طيبين قريبين من القلب تسكن هذه البيوت، وكانت من بينهم ( طليعة ) ، وهي اشهر من نار على علم هناك ، فاستقبلتنا اجمل استقبال ودخلنا دارها المكونة من غرفتين متداخلتين ، والتي كانت جدتنا ( استير ) قد سكنته وباركته لسنوات طويلة قبلها . وعندما جلسنا ، شعرنا بنسمات من الهواء البارد تاتينا من الغرفة الداخلية ، فسألتها ان كان لها مبردة او اي وسيلة تبريد اخرى ، ضحكت ضحكتها المعهودة ، وقالت نحن لانحتاج الى التبريد ، فهواء الله بارد هنا . واشتكت ربة بيت اخرى من السكن ، وكيف ان اهلها واخوانها يعيشون في بيوت افضل منها ، قلت لها لاتندبي حظكِ ، فهذه البيوت المباركة تجلب الحظ والسعادة لساكنيها .
لم يمضي زمنا طويلا على ايام كنا نعيش فيه بدون كهرباء ، مكتفين بأضاءة بيوتنا بالفوانيس وفي افضل الاحوال (بالوكس) . وكانت هذه الاضاءةكافية لأعداد أعداد كبيرة من المتعلمين والمثقفين والكوادر .. وكانت امهاتنا واخواتنا ينقلنّ الماء من اماكن بعيدة لغرض الشرب ، وسقي حدائقنا الكبيرة ، ويذهبن الى رأس العين لغسل الملابس ، فتتعقم على صخور الجبال افضل تعقيم . وكنّ لايشتكينّ ، ويُسعدنّّ براحة البال .. وكانت ازقة المدينة تزهو في الليل بفوانيسها النفطية المعلقة على الحيطان . وكان عامل واحد يكفي لمتابعتها . وتتذكر اجيالنا ذلك العامل المخلص الماهر ( حميد تتو ) وهو يتسلل كل يوم بصمت ، حاملا سلما خشبيا على كتفه ، وفي يده اليسرى يحمل جليكان النفط . يدور على كل الفوانيس واحدا تلو الاخر ، فينظفها جيدا ، كأنها طفل من اطفاله ، ويملؤها بالنفط ، ويضيؤها ، فيضاء المكان من حوله حتى الصباح . ويغادر بسلام دون ان يطلب منك مكرمة او حتى يُشعرك بوجوده ، فهو مقتنع بما تدير عليه هذه المهنة من مال بسيط يكفيه لحياة شريفة بسيطة . صورة هذه الفوانيس في نظري كانت شكلا حضاريا بكل معنى الكلمة في ذلك الزمان ، بالمقاييس النسبية ، وقبلها صورة ذلك العامل الذي يُمثل الشكل الاهم للتحضر ، فالتحضر يقاس قبل كل شيئ بسلوك الانسان ، وليس بالبهرجة والعمران ..
اذكرمرة كنا نلعب في المحلة ، فضرب احدنا الكرة بقوة كسرت احد الفوانيس ، واتُهم احد اقاربي بالتسبب بالحادث ، فأستدعته االشرطة الى القشلة ، وهناك تم احتجازه ، الى ان ذهبت جدته ودفعت غرامة مالية كانت تعادل سعر دجاجة ، حيث باعت هذه الجدة المسكينة دجاجة من دجاجاتها لتأمن ذلك المبلغ . اما اليوم فتكسرالمصابيح وتُسرق الاسلاك والاعمدة ، ولا من شاف ولا من درى .
كانت المنطقة تعيش نوعا من الاكتفاء الذاتي ، وكانت الناس تختزن من المواد الغذائية الاساسية مايكفيها سنة كاملة . كما كان هناك اكتفاء في مواد البناء . فالحجر من المقالع ، والجص يُصنع محليا بطرق شبه بدائية . وقد تغيرت الصورة ، واستبدل الجص بالاسمنت ، دون استخدام مواد عازلة ، ففعل فعله المعاكس ، حيث يكتسب الحرارة والبرودة بسرعة ، فيُلهب البيت نارا في الصيف ، ويجعله باردا في الشتاء . وبنيت البيوت بشكل مستقل عن بعضها وبشوارع عريضة ، لتواجه مصيرها لوحدها ، تحت اشعة الشمس ، التي تزداد ضراوتها وقساوتها مع الايام ، كنتيجة لمشكلة التلوث العالمي . وفي ظروف لاتتوفر فيها المستلزمات والخدمات الاساسية .
كم تمنيت ان تُعطى لمدننا فرصة ان تبني نفسها ، أن تضع بنفسها ستراتيجية توسعها على اسس حضارية ، ان تخَصص لها ميزانية سنوية مناسبة ، يكون المواطن على علم بتفاصيلها ، بدلا من اعتماد التبرعات او الصدقات من هذا الشخص او ذاك ، من هذا الحزب او ذاك ، لبناء قاعة او تبليط شارع او تعمير كنيسة ، فمثل هذه الصدقات والصفقات ليست لوجه الله ، ولاتخلو من الفساد . يتحكم فيها افراد يستغلون مسؤولياتهم بعيدا عن الرقابة . وتعتمد الاجتهادات في التنفيذ ، متغاضية الجوانب الفنية والحضارية والاستشارة الهندسية المخلصة اغلب الاحيان .
لكن رغم الصعوبات والمعانات ، لااستطيع الا ان احمل صورة جميلة مرتّشة لمدينتي اضعها على صدري ، وصورة اجمل لمستقبلها احتفظ بها في مخيلتي . صورة لاتتجاوز المعقول ، ولا تضرب في الخيال . انه حلم بسيط ، قد لايرتقي الى حلم مارتن لوثر عندما ردده ومعه جمهوره امام نصب ابراهام لنكولن التذكاري (I have a dream ) ، ولكن بالتأكيد الدوافع مشتركة ، فنحن ايضا ندفع ثمن تسامحنا . حلم بسيط ، قد لايرتقي لصورة المدينة الفاضلة في خيال افلاطون ، لكن بالتأكيد الدوافع مشتركة . حلم بسيط أقرأه بصوت عالي ، امام تذكار لم ينجز بَعدُ ، لعمال النسيج ضحايا الارهاب المغدورين وضحايا الانفال المظلومين ..
لااطلب المليارات ، فهي تأتي وتجرف معها روائحا مقزِزة من الجريمة والفساد . بل فقط خدمات ومستلزمات من المال الحلال تليق بالبشر .